عبد الملك الجويني
349
نهاية المطلب في دراية المذهب
على حقيقة الزوجية ، لاستحال أن يلتزم الزوج بوطئها مهراً وقد غَرِم مهرَ النكاح ، فلما نص الشافعي على وجوب المهر ، أشعر هذا بكونها غيرَ مُستَحَقةٍ بالنكاح . والتحقيق فيه أنا إذا قلنا : زال الملك بالطلاق ، فقد ملكت المرأة نفسها ، ولكن للزوج عليها سُلطان الرّد ، فإذا لم نجعل الوطء رداً ، فقد [ وقع ] ( 1 ) الوطء ، وهي غير مملوكة للزوج . نعم ، لو كنا نجعل الوطء رجعة ، لكان الوطء من الزوج بمثابة وطء البائع الجاريةَ المبيعةَ في زمان الخيار ، فالوطء فيه فسخ ، فلا جرم لا يلتزم المهرَ بما هو فاسخ به ، فإذا لم نجعل الزوج مرتجعاً ، جعلنا وطأه إياها بمثابة ما لو وُطئت بشبهة ، فيكون المهر لها لا محالة . وقد يلتفت الفطن فيما ذكرناه على تفريعنا على قولنا : إن الملك في زمان الخيار للمشتري ، فلو وُطئت الجارية ثم لم يتفق فسخ العقد ، فالمهر للمشتري ، هذا مسلك الكلام . ولكن تفريعه على أن الرجعية ليست بزوجة ، ولا خروج له إلا على ذلك . ولو تكلف متكلف ، فقال : منافع بضع المرأة على حكمها ( 2 ) ، والدليل عليه أن الزوجة لو وطئت بشبهة في صلب النكاح ، فالمهر لها ، فإذا انعزلت عن زوجها في الاعتداد ، ثم وطئها الزوج - وحُكم الانعزال مستمر عليها - فقد أتلف منفعةً هي بحكمها . وهذا تلبيسٌ ؛ فإن الزوج لو كان مستحق المنفعة ، لكان بالوطء مستوفياً منفعةً هو مستحقها . 9345 - ثم ذكر أصحابنا تصرفاً على النص فقالوا : قال الشافعي في الرجعية : إذا وطئها الزوج يلزمه المهر ، راجعها ، أو لم يراجعها . وقال : إذا ارتدت المرأة ، فوطئها الزوج وكانت مدخولاً بها ، فعادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة ، لم يلتزم مهرها ، ولو أصرت على الردة حتى انقضت العدة ، التزم مهرها ؛ فقال الأئمة : أما
--> ( 1 ) مكان كلمة غير مقروءة . وعبّر عن هذا المعنى ابنُ أبي عصرون بقوله : " فإذا لم نجعل الوطء ردّاً ، فقد وطئ غيرَ مملوكةٍ له . " . ( 2 ) على حكمها : أي على حكم ملكها ، فمع أن المرأة في زوجية صحيحة قائمة ، فإن منافع البضع ملكٌ لها . هذا هو التكلف المشار إليه . ( هذا تفسير ابن أبي عصرون للعبارة ) .